لما كانت اللغة العربية هي لسان الوحي ولغة الرحمن في القرآن، فإنها بلا ريب ستظل لغة الزمان والمكان، فلا يضرها حقد الحاقدين، ولا ينقص من رفعتها ريب المرتابين، ولا يشينها كيد الكائدين، فهي قبل أن تكون وسيلة للاتصال والتواصل، كانت ولا تزال هوية اجتماعية حضارية مرتبطة بماضي الإنسان وحاضره ومستقبله، ولذلك سميت الحضارة العربية الإسلامية في قضايا اللسانيات بحضارة الكلمة.

 

فلا يليق بالفرد داخل الدولة التي توصف بالعربية، أن يزعم أنه مواطن عربي بالادعاء الظاهر ولسانه الناطق يتكلم لغة محلية دارجة عامية، مفصولة عن الهوية العربية المشتركة، ولا آفاق لها داخل مختلف مناحي الحياة الإدارية والعلمية والوظائفية للدولة، أو أن يتلفظ بلسان عامي تداولي مشوه، ممزوج بمصطلحات لغوية أجنبية ذات نزعة إمبريالية إرثية لاجتياح الذات العربية وحبسها في نطاقها حتى لا تتنمى وتلحق بالركب. 

ومن ثم فإن المشكلة البحثية في هذا العرض، لا ترمي إلى الغوص في قضايا اللغة كعلم لساني عربي بياني في علاقاتها مع باقي اللغات، أو في تعداد الخصائص اللغوية والنحوية الفريدة للغة العربية السامية، وإنما تتمحور أساسا في تحديد توصيف واقعي لطبيعة الحالة العلائقية بين اللغة العربية والهوية، ودور التشريع في حماية هذه اللغة التي اعتبرتها معظم الدساتير العربية بأنها لغة رسمية للدولة.


ولا يغيب على أحد دور اللغة في تشكيل الهوية عبر الأجيال المتعاقبة خاصة إذا كانت لغة قوية متماسكة أصيلة كلغة الضاد، بل أكثر من ذلك، فقد أكد جل علماء اللغة واللسانيات المرموقين في أكثر من مناسبة بأن المجتمعات بمختلف سياقاتها ومرجعياتها إما أن تنحط بهجر لغتها الأم وإضعافها، أو تتقدم بتطوير لغاتها والاهتمام بها.

فقضية ألسنة اللغة العربية والاهتمام بها وفق منظور استراتيجي علمي متعدد الرؤى فرض واجب على دولة العروبة، لأن فهم الكتاب والسنة فرض واجب، وما لا يفهم إلا بفهم اللغة ففهم اللغة فرض واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ومن واجب الدولة الشارعة لما لها من سلطة ووصاية تحت طائلة المسؤولية أن تسعى إلى حماية اللغة العربية قانونا وفكرا دون أي تلبيس أو تمييز في ظل مجتمع طبقي توتري غير متجانس.


وبالعودة إلى تشخيص الوضع الانتهاكي للغة العربية في المنطقة العربية، نجد أن أشرس المهددات المتزايدة لهذه اللغة المعرفية هي تلك التي تأتي من قبل ثلة من الساسة المنتمين للوطن عضويا والمنفصلين عنه لغويا، والذين يملكون سلطة القرار أو يحيطون به سمعا وبصرا وأثرا، حيث لا يريدون لهذه اللغة أن تشيع وتنمو داخل مختلف أنساق المجتمع كأنهم مزدوجي الهوية والانتماء، إذ أصبحنا اليوم نشهد حالة من الردة اللغوية لدى شرائح اجتماعية في عالمنا العربي كما هو الحال في الوسط الاجتماعي المغربي والدول المجاورة، سواء بالاستخدام غير المبرر للعاميات والرطانات في مواضيع لا يصلح لها إلا العربية الفصحى، أو بإقحام الكلمات الأجنبية الغربية وحقنها في الجسد اللغوي للعربية دون قيمة أو إضافة، إذ أصبحنا حقيقة أمام غزو اللغة المهيمنة، سواء في نطاق التواصل الإداري المكتوب والملفوظ، أو في المحيط الاجتماعي العام، الأمر الذي يؤدي الى إقبار قاموس اللغة العربية في جانبه الإيديولوجي والسوسيولوجي ليحول دون مواكبة التطور الحتمي للشعوب التي يقال عنها أنها أمة اقرأ بلسان عربي مختار.


وأمام هذه التحديات، نحى المشرع المغربي على غرار باقي التشريعات العربية المقارن إلى دسترة اللغة العربية من خلال الارتقاء بها من موضع التصدير إلى حيز الفصل الخامس من دستور فاتح يوليو 2011، كلغة رسمية ومكون أساسي للهوية الوطنية والثقافية والحضارية، وحث على الإسهام في تطويرها وتنميتها على ضوء ثوابت الهوية الوطنية الموحدة، إلى جانب تنصيصه على ضرورة استحداث المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية كمؤسسة دستورية وطنية تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، ولها مرجعية في مجال التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية للغة العربية، مع تيسير تعلم وإتقان باقي اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم كوسائل للتواصل والانفتاح على مجتمعات المعرفة والعولمة.


وإلى جانب التنصيص والتكريس الدستوري، الذي تعتبر قواعده القانونية قواعد سامية من حيث التدرج الهرمي للنصوص القانونية وبالتالي يحضر مخالفتها في مضمونها وشكلها، واكبت كذلك بعض النصوص القانونية الأخرى واجب تفعيل اللغة العربية خاصة في إطار تسيير وتدبير وشغل المرافق العامة للدولة المغربية، كما هو الحال بالنسبة للقانون رقم 64/3 الصادر بتاريخ 26-01-1965 بشان توحيد المحاكم المغربية والتعريب الذي نص في فصله الخامس على أن (اللغة العربية هي وحدها لغة المداولات والمرافعات والأحكام في المحاكم المغربية).

هذا، وجاء قرار وزير العدل عدد 65/414 بتاريخ 29-06-1965 ليعيد التأكيد على استعمال اللغة العربية أمام المحاكم، والذي نص في فصله الأول على أنه (يجب أن تحرر باللغة العربية ابتداء من فاتح يوليو 1965 جميع المقالات والعرائض والمذكرات وبصفة عامة جميع الوثائق المقدمة للمحاكم)، وأكد من جانبه على القضاء ألا يقبل من المتقاضين أية وثيقة أو مذكرة متى كانت محررة باللغة الأجنبية في اتجاه نحو تعريب لغة الولوج إلى العدالة وممارسة إجراءات التقاضي وتكريس مبدأ الحق في الدفاع أمام جميع محاكم المملكة.


إلا أنه مع الأسف، بالرغم من أن التشريع الدستوري كأسمى قانون معبر عن إرادة الأمة كرس رسمية اللغة العربية في مختلف ربوع الوطن العربي ورسم معالم الإصلاح والتجديد والتطوير المرتبط بهذه اللغة العريقة، فلا زالت بعض الإدارات العمومية المغربية على سبيل المثال تستعمل اللغة الفرنسية في محرراتها ومراسلاتها الإدارية المكتوبة يدويا أو إلكترونية؛ كإدارات الضرائب والخزينة العامة، إدارة المياه والغابات، ومصالح الدرك الملكي، وبعض محاضر الشرطة القضائية، ضاربة بعرض الحائط قيمة القاعدة الدستورية وخارقة بذلك بنود الدستور في روحه الثقافية والهوياتية الثابتة.


ولهذا، إذا كانت الإدارة عموما، والإدارة المغربية بصفة خاصة، المظهر الحي والمكمل لحياة الدولة في علاقاتها بالأفراد وجمهور المواطنين، وباعتبارها فاعلا أساسيا في بناء الدولة الحديثة وإرساء دولة الحق بالقانون، فينبغي عليها أن تسيير على نهج الخارطة الدستورية في إطار الملائمة والمشروعية من أجل تحقيق وحدة اللغة العربية في التعاملات والتواصلات الإدارية بما فيه من إحياء للصلة القوية بين الهوية كوعاء واللغة كميكانيزم لفهم هذا الوعاء.


ولعل من صفوة القول، إعادة التذكير بأن: "الأمة التي تتعلم كلها بلغة غير لغتها لا يمكن أن تفكر إلا بفكر أجنبي عنها، فالعلم إذا أخذته بلغتك أخذته، وإذا أخذته بلغة غيرك أخذك، واللغة لا تقوى إلا بقوة أهلها ولا تضعف إلا بضعفهم".

 المصدر : الجزيرة نت 

يوسف تبريكي

باحث بسلك الدكتوراه، علوم قانونية


strategie 2015-2016

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
  • 6
  • 7
  • 8
  • 9
  • 10
  • 11
  • 12
  • 13
  • 14
  • 15
  • 16
  • 17
  • 18

الشركاء



الالتهاب الكبدي الفيروسي C
سوف تخضع لعملية تنظير القولون
مرض القولون العصبي

من معنا حالياً

2947 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

احصائيات

عدد الزوار:  
4
عدد الصفحات:  
598
روابط دليل المواقع:  
9
عدد الزيارات:  
2166911