د. البشير بنجلون
المستشفى الجامعي الحسن الثاني بفاس
عدد 3 - أكتوبر 2012

لقد اهتم المسلمون في ظل الحضارة الإسلامية اهتماما كبيرا بالعلوم الطبية والصحية، والتي لقيت تشجيعًا كبيرًا من سلاطين المسلمين وملوكهم على مرِّ العصور الإسلامية، تجلى ذلك في الاهتمام الكبير بإنشاء المستشفيات أو ما أطلق عليها بالبيمارستانات، والإنفاق عليها، مع الاعتماد على أطباء أكفاء للعمل فيها، وتوفير كافَّة الاحتياجات المعنوية والمادية لتقوم برسالتها و وظائفها على أحسن الوجه.
ولم تكن مهمة البيمارستانات قاصرة على مداواة المرضى فحسب، بل كانت في الوقت نفسه دُورًا للرعاية الاجتماعية، ومعاهد علمية لتعليم الطب والصيدلة، حيث تُلَقى فيها الدروس النظرية إلى جانب التطبيقات العملية، إضافة إلى أنَّ هذه البيمارسـتانات في ذلك العصر كانت منظَّمة تنظيمًا مثاليًا من جميع النواحي المتصلة بها، سواء من ناحية اختيار الموقع والتصميم والبناء والتموين وإدارة، أو من ناحية أنظمتها العلاجية والإدارية والماليـة.
وتطورت هذه البيمارستانات حتى أصبحت مؤسسات طبية، وجامعات ومراكز تعليمية في آن واحد تُلَقى فيها الدروس العلمية والنظرية إلى جانب دورها الأساس التي قامت من أجله ألا وهو العلاج والمداواة.
وتعتبر البيمارسـتانات أحد المظاهر الطبية التي أظهرت التفوق العلمي و العملي  الذي برع فيه المسلمون ووصلوا بها إلى درجة متقدمة من التطور الحضاري والتقدم العلمي، وكانت الأهداف والغايات التي تنشدها رسالة البيمارستانات نبيلة وسامية، لا يقصد من ورائها إلا خدمة الإنسان والمجتمع دون أي ثمن أو مقابل، لا فرق في ذلك بين الغني والفقير والحاضر والبادي، والمسافر والمقيم. وسنتناول في هذا الفصل إن شاء  الله الحديث عن ذكر أهم البيمرستانات التي عرفتها الحضارة الإسلامية بصفة عامة والمغربية بصفة خاصة على أن نتطرق في الأعداد المقبلة بحول الله الحديث بشكل  مفصل على البيمرستانات  المغرب.

تعريف البيمرستانات

«البيمارستان» لفظة فارسية الأصل مُركّبة من كلمة «بيمار» وتعني مريض أو مُصاب، و«ستان» وتأتي بمعنى دار. و بالتالي يكون معنى «بيمارستان» «دار المرضى»، واختُصِرَت في ما بعد في الاستعمال فأصبحت تُلفَظ «مارستان». وأُطلِقَت هذه اللفظة على المستشفيات في العصور الإسلامية وأخذت في بعض الأحيان تسمية أخرى، مثل «دار الشفاء» في الشرق أو «دار الفرج» بمراكش أو ب «سيدي فرج» بمدينة فاس. وهي بمثابة المستشفيات العامة التي تعالج فيها جميع الأمراض الجسدية و العقلية.

يُعتَقَد أنّ أوّل مَن أقام البيمارستانات كان الوليد بن عبد الملك عام 707م في دمشق، وكانت هذه المؤسسات ذات وظيفة صحية إنسانية وتعليمية في وقتٍ واحدٍ، وتلحق بها حمامّات للرجال وأخرى للنساء، وقاعات متعددة الاستعمالات ومصلى ومرافق أخرى. و قد تطورت وتكاثرت في العصر العباسي، فشيد عدد كبير منها في بغداد والقاهرة ودمشق و مراكش و فاس و غيرها من العواصم الإسلامية والمدن الكبرى. وكان سلاطين المسلمين يبالغون في عنايتهم بها، باختيار المكان الملائم الذي يصلح لإقامتها. وكما كانت لهم سياسة طبية مرسومة في تدبيرها.

كانت كلّ الحواضر الإسلامية قد عرفت ذلك النّوع من الأبنية الطّبية من خوارزم إلى دمشق إلى مصر إلى تونس وغرناطة و مراكش و فاس. وقد عرفت اسطنبول وحدها خلال خمسة قرون من التاريخ قيام سبعين مارستاناً.

من أقدم البيمارستانات وأجملها في دمشق البيمارستان النوري الذي شُيّد في القرن السادس للهجرة/الثاني عشر للميلاد، وشُيّد البيمارستان القميري في القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد. وقد تميّز هذان البيمارستانان بالصّحن المركزي وإيواناتها الأربعة وبالبوابة العالية والقبة، وكانت كلّها مزخرفة بالمُقرنصات. وقد قام المهندس إيكوشار بترميم مدخل القميري ولا سيّما متدلّياته في القرن العشرين. .

بيمرستانات المغرب

على غرار مثيلاتها قي الشرق أنشئت في المغـرب عدة بيمارستانات، وجعلت لها أوقاف تقوم بمهامها أحسن قيام، ويعتبر مستشفى مراكش أهمها وأكثرها شهرة لما حظي به من عناية و إتقان في التشييد والبناء والتنظيم والإدارة و السبق، حيث أسسه الخليفة أبو يوسف يعقوب المنصور (580-595 ﻫ)، وهو ما عرف آنئذ باسم بيمارستان مراكش وأعطيت له العناية والأولوية والاهتمام بالضروريات كما بالجزئيات التي أولتها السلطة السياسية العليا في عهد الموحدين في بناء البيمارستانات بإشراف بصفة مباشرة من أعلى سلطة سياسية في البلاد ممثلة في شخص الخليفة نفسه، ويرى الباحث المغربي العلامة محمد بن عبد العزيز بنعبد الله: «أن أول بيمارستان عُرف بإفريقيا الشمالية هو الذي أسسه المنصور الموحدي بمراكش، قبل تأسيس مدينة القاهرة بقرن تقريبا، واستمرت هذه البيمارستانات حتى آخر الدولة المرينية».

وحول بيمرستان فاس ذكر الدكتور عبد الهادي التازي أنه كان للسلطان أبي الحسن المريني فضل في تجديد الماريستان في مدينة فاس، واقتفى أثره السلطان أبو عنان المريني في العناية به والتحبيس عليه. وكان يطلق عليه اسم : مارستان «سيدي فرج» أُسِّس في القرن السابع الهجري، واستمر العمل به إلى غاية القرن العشرين الميلادي، وكان يعتني بصحة الإنسان والحيوان والطير، وخُصِّصت به أوقاف لعلاج الطيور خاصة طائر اللقلاق إذا انكسرت أو أصيبت بأذى، ويصرف من هذه الأوقاف على من يضمدها ويداويها ويطعمها، كما رُصِدت أوقاف للموسيقيين الذين يعزفون للمرضى كل أسبوع ليخففوا عنهم آلامهم، ويُنفَق من هذه الأوقاف على ما يتطلَّبه غسل الموتى الغرباء وتكفينهم وإقبارهم.

ويشير المستشرق غوستاف لوبون أن أفضل وأرقى المستشفيات التي أنشأت على أرضها العربية هي تلك التي أقيمت في الأندلس، وأن المستشفيات التي أنشأها المسلمون في اشبيلية وطليطلة ومورسيا وغرناطة وقرطبة التي كانت تحوي في القرن العاشر الميلادي مليون مواطن، 200.000 دار، 300 جامع و50 مستشفى، ومكتبة تحوي على 250.000 كتاب وهذا يدل على ازدهار الثقافة وشيوعها بين أهله.
وهناك أيضا مارستان «محمد الغازي» بالرباط، الذي أسسه السلطان عبد العزيز (1367-1372) والذي حدد موقعه في الجانب الغربي من شارع شالة قبالة الجامع الكبير، كان يؤمُّه المجانين من أنحاء المغرب بقصد العلاج والاستشفاء، وكان له أوقاف خاصة لهذا الغرض.
وأيضا هناك بيمرستان سلا الذي أسسه أحمد بن محمد بن عاشر الأنصاري بعد عودته من الأندلس في النصف الأول من القرن الرابع عشرميلادي، وكان موقعه بالبناية المعروفة بفندق أسكور في حي باب احساين في بناء حفيل يشتمل على بيوت كثيرة بعضها لاستقراء المرضى، وأخرى للمعتوهين .

بيمرستان مكناس : من تأسيس أبي عنان المريني ولا تزال بنايته قائمة في حي حمام الجديد  قسم إلى قسمين : قسم لعلاج المرضى يتكون من حجرات صغيرة تتناسق من ثلاثة جهات، أما القسم الثاني فيخصص لإقامة المعتوهين .

بيمرستان آسفي : أشار له لسان الدين ابن الخطيب خلال حديثه عن هذه المدينة، و قال عن ناظره: «وتردد بها إلى صاحب السوق ومقيم رسم المارستان، الشيخ الحاج أبو الضياء منير بن أحمد بن منير الهاشمي الجزيري»، و قد كانت زيارة ابن الخطيب لآسفي عام 761/ 1360، حيث وجد المارستان قائما دون أن يذكر مؤسسه إلا أنه يرجح أن يكون من تأسيس أبي عنان.

وإلى جانب الخدمات الطبية التي تقدمها هذه البيمرستانات خُصِّصت داخلها إقامات حبسية لبعض أصناف المعاقين، والمصابين بالأمراض المعدية المستعصية العلاج، فكان بفاس ربضٌ يسكنه المجذومون، ولهم رئيس يجمع مداخيل العقارات الموقوفة عليهم، ويُوفَّر لهؤلاء المرضى كل الضرورات بحيث لا يحتاجون إلى شيء. ومن هذا القبيل أيضا: وقف «سيدي أبي العباس السبتي» للعميان والزَّمْنى في مراكش. وكان البيمارستان ينقسم إلى قسمين منفصلين عن بعضهما، قسم للذكور وآخر للإناث، كل منهما مجهز بالمعدات والأدوية، وله أطباء وممرضون وفراشون، داخل كل قسم قاعات للأمراض المختلفة.

هذا وقد تم الاهتمام والعناية بتنظيم حرفة الطب حفاظا على صحة الناس عامة، وإبعادا للمشعوذين والمدجلين والمدعين للطب، غير المؤهلين له، فكان لهم رئيس يراقبهم وينظم أعمالهم، ويأذن لهم بالممارسة، ويتقبل شكاوى العامة يسمى «المزوار»، يعينه الخليفة من بين أمهرهم وأكثرهم تجربة، وأكرمهم أخلاقا، ويرتب له أجرة.

ومن أهم من حظوا بهذه المرتبة في عهد الموحدين «أبو جعفر الذهبي» صاحب «ابن رشد». ولم يغفل الأطباء الجانب الإنساني والاجتماعي لمهنتهم، إذ لم يكونوا جميعا يتقاضون أجرا على عملهم، فمنهم من كان يداوي المرضى، ويكشف عنهم، ويصف لهم الأدوية مجانا.

كما كانوا يحصلون على الأدوية والأشربة من دورها الخاصة التي تنفق علها الدولة، ومن البيمارستان. ومن مظاهر التنظيم الطبي المذهل: وجود بيت للأشربة والمعاجين الطبية تصنع وتحفظ به الأدوية على الدوام، ليتزود بها المحتاجون إليها، ومن الذين اشرفوا على هذه المؤسسة بمراكش «أبو محمد قاسم الإشبيلي» (على عهد يوسف بن عبد المومن)، «وأبو يحيى بن قاسم» (علي عهدي يعقوب والمستنصر).

كان الإشراف الإداري العام على البيمارستان مرتبطاً بناظر يشرف على إدارة الأموال والأوقاف المخصصة له، وعلى سلامة مبانيه وحسن سير العمل فيه. وكانت هذه الوظيفة، بالنسبة للبيمارستانات الكبيرة في العواصم، من الوظائف الديوانية العالية في الدولة،. وكان في كل بيمارستان عدد من الأطباء يعملون تحت إشراف رئيس الأطباء. كما كان فيه رؤساء أقسام، فكان هنالك رئيس للكحالين، ورئيس للجراحين، وهو يرأس الجراحين والمجبرين، أما أطباء الأمراض الداخلية فكان يطلق عليهم اسم الطبائعيين.

وكان يساعد الأطباء في عملهم الفراشون والقومة لخدمة المرضى وللقيام بأعمال النظافة، وكانت هذه العناصر العاملة من الجنسين الإناث والذكور. وكان رئيس الأطباء يدور على المرضى ويتفقد أحوالهم وبين يديه مساعدوه، من أطباء وطلاب طب، والمشرفون والقوام على خدمة المرضى، فكان كل ما يكتب للمريض من دواء وغذاء يجري تنفيذه ولا يؤخر.

وكانت المشافي التي أقيمت في مدة ازدهار الحضارة المغربية تتمتع بسمعة طيبة بلغت من التطور في كل النواحي كالبناء والعلاج، وكذلك الأطباء الذي ضمتهم هذه البيمارستانات وهم من خيرة الأطباء المهرة الذين أسهموا بجهودهم في تطور الطب، وسنحاول في الأعداد المقبلة بحول الله التطرق بنوع من التفصيل لأشهر البيمرستانات التي كان لها دور كبير في النهوض والتعريف بالحضارة العربية الإسلامية عامة والمغربية خاصة وخصوصا في الميدان الصحي و الطبي و الراعية الاجتماعية للمرضى.

 


strategie 2015-2016

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
  • 6
  • 7
  • 8
  • 9
  • 10
  • 11
  • 12
  • 13
  • 14
  • 15
  • 16
  • 17
  • 18

الشركاء



الالتهاب الكبدي الفيروسي C
سوف تخضع لعملية تنظير القولون
مرض القولون العصبي

من معنا حالياً

2929 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

احصائيات

عدد الزوار:  
4
عدد الصفحات:  
598
روابط دليل المواقع:  
9
عدد الزيارات:  
2166895