الدكتورة شهرزاد البوشيخي
مصلحة أمراض النساء و التوليد بالمستشفى الجامعي الحسن الثاني بفاس ترجمة : سكينة أزوغ

مع اقتراب شهر رمضان المعظم ، تلجأ العديد من النساء الحوامل إلى مراجعة الطبيب، من أجل طرح الأسئلة التالية: هل يؤثر رمضان على نمو الجنين؟ هل يسبب الصوم تشوهات للجنين؟ هل يمكنني الصيام دون أن يشكل ذلك خطرا على الجنين أو على المرأة الحامل؟

قبل الإجابة على هاته الأسئلة، يجب التأكيد على التغيرات الفيزيولوجية التي يعرفها جسم المرأة أثناء الحمل. إذ يعرف جسم المرأة تغيرات تشريحية (anatomiques) واستقلابية (métabolique) هدفها ضمان قابلية عيش ونمو الجنين. سنتطرق في هذا الموضوع للتغيرات الاستقلابية.

خلال الفصل الأول من الحمل:

تَعرِف الخلايا "ب" بجزر لانغرهانس تزايدا من حيث الحجم و العدد. ترتفع الاستجابة الأنسولينية للغلوكوز، مما يسبب انخفاضا في نسبة السكر في دم الأم بنسبة 20%.

إلى غاية الأسبوع الثاني و العشرين من انقطاع الحيض، يكون الابتناء (anabolisme) مهيمنا لدى الام و يعمل على تخزين المواد الغذائية خارج وقت الأكل و خلال الليل.

خلال الفصل الثاني من الحمل:

تظهر مقاومةخفيفة للأنسولين نتيجة لوجود أنزيمات رافعة للسكر.

هرمون HPL (محفز الإلبان المشيمي (hormone lactogène placentaire) الذي تفرزه المشيمة) يعد حالّا قويا للشحميات (lipolytique) و يعمل كمناهض للأنسولين . يحد هذا الهرمون من عملية التخزين داخل النسيج الشحمي للأم لصالح استعمال الجنين.

في نهاية الحمل، نشهد ما يلي:

ارتفاعا في الأحماض الدهنية الحرة و ثلاثيات الغليسريد التي تساهم بطريقة غير مباشرة في مقاومة الأنسولين. هذا الارتفاع يمكن الأم من استعمال هذه الدهون لاحتياجاتها الخاصة و توجيه الغلوكوز بصفة تفضيلية إلى الجنين.

هذه التغيرات التي تحدث في نهاية الحمل تبين هيمنة ظاهرة التقويض (catabolisme).

وإذا كان البنكرياس سليما، فإنه يتأقلم بإحداث فرط أنسولين تفاعلي (hyperinsulinisme réactionnel)، يكون سائدا بعد الأكل مما يمكن من الإبقاء على سكر الدم ضمن المستويات المرجعية.

تتلخص هذه التغييرات في مرحلة ابتناء خلال النصف الأول من الحمل و مرحلة تقويض خلال النصف الثاني، تضمنان نموا عاديا للجنين.

تغطي تغذية الأم بصفة واسعة الحاجيات الضرورية للنمو الجنيني المتناغم. يجب أن تكون متنوعة ومجزأة على اليوم، كما يجب أن تكون غنية بالكالسيوم (أجبان، منتجات لبنية)، و بالفيتامينات و الأملاح المعدنية (الخضر و الفواكه)، و بالبروتينات. كما يجب تفادي السكريات سريعة الامتصاص قدر الإمكان. و حيث إن فقر الدم الناتج عن عوز الحديد يسبب معدلات مرتفعة للولادات الباكرة، و نقص الوزن عند الولادة، و الوفيات بالفترة المحيطة بالولادة، فإنه يتعَيَّن تأمين إمدادات تكميلية من الحديد. يسري الأمر كذلك على حمض الفوليك الذي يؤدي عوزه إلى اضطرابات في انغلاق الأنبوب العصبي. أما مكملات الكالسيوم و المغنيزيوم و الفليور و السيلينيوم و الفيتامينات ج و ب6 و ب12 و أ، فلا تعطى بكيفيةمنهجية (systématique).

لم يسبق لأية دراسة مغربية -حسب علمنا- أن تطرقت للتغيرات التي تطرأ على الأم و الجنين نتيجة لصوم رمضان. ولكن بعد استعراض المراجع الطبية في الموضوع، وجدنا بعض الدراسات التي اهتمت بانعكاس الصوم على الأم و الجنين.

فقد اهتم ايبرو ديكنسوي[1] (و متعاونون) ب 36 امرأة في صحة جيدة، حوامل في الأسبوع 20 أو أكثر دون مضاعفات. تم تقسيم النساء إلى مجموعتين: مجموعة قامت بالصيام و أخرى لم تقم به. النتائج كانت كالتالي:

لم يسجل بين المجموعتين أي اختلاف يُعْتَدُّ به إحصائيا من حيث: اكتساب الأم للوزن أو اكتساب الجنين للوزن و باقي متثابتات القياسات الحيوية للجنين (paramètres de biométrie fœtale).

بالنسبة للنساء اللواتي قمن بالصيام: كانت معدلات كورتيزول المصل لدى الأمهات في اليوم 20 من الصوم أعلى من المعدلات الابتدائية، بصفة معتدة إحصائيا؛ لم يلاحظ أي ارتفاع معتد به في المعدل العام للكوليسترول و ثلاثيات الغليسيريد؛ لوحظ انخفاض غير معتد به في نهاية شهر رمضان لمعدل الكوليسترول LDL و VLDL و كذلك ارتفاع طفيف للكوليستيرول HDL.

اهتمت دراسة أخرى تركية[2] ب49 امرأة حاملا يؤدين الصيام، و 49 أخريات لا يفعلن. الهدف من الدراسة كان تحليل المتثابتات الكيميائية الحيوية للدم عند النساء الحوامل. بالرغم من بعض الاختلافات التي سجلت في بعض المتثابتات، خلصت الدراسة إلى أن صوم رمضان ليس له أي تأثير سلبي مهم على صحة النساء الحوامل.

خلص العاطي و آخرون[3] أيضا في دراستهم أن شهر رمضان ليس له أي تأثير على الوزن و الكتلة الجسمية، بالرغم من التغيرات التي تعرفها عادات الاستهلاك الغذائي، من قبيل الارتفاع المهم في استهلاك البروتينات و المادة الدسمة، و النقص التناسبي في الإمدادات من السكريات، و اقتصار التغذية على الليل. حيث أثبتت النتائج أن الإمداد الطاقي اليومي خلال رمضان بقي مشابها لنظيره قبل و بعد رمضان.

من خلال هذه الدراسات و دراسات أخرى، يمكننا أن نستخلص أن شهر رمضان لا يسبب أي أثر سلبي على صحة الأم، شريطةتغذية متوازنة، وهي ضرورية حتى في حال عدم الصوم.

أما بالنسبة لتأثير رمضان على الجنين، فقد قامت دراسات أخرى بتناول مختلف الآثار. قام كروس[4] بدراسة أوزان الميلاد ل 13.351 مولود تام الحمل من أمهات مسلمات آسيويات، و قارنهم بفئتين شاهدتين: من عرق أبيض و آسيوية غير مسلمة. وقد أبرزت النتائج عند المواليد تامّي الحمل الذين صادف رمضان الفصل الثاني من الحمل بهم، ارتفاعا في معدل انتشار الوزن المنخفض عند الولادةبنسبة 4,5% إلى 8%، دون أن يكون هذا الارتفاع معتدا به احصائيا. و خلص بذلك أن رمضان ليس له تأثير على وزن الميلاد للمواليد تامّي الحمل.

كما تمكنت مريم مراد[6] لدى عينة من الحالات، من إثبات أن كُلا من وزن الميلاد، ومقياس السرعات لدى الأم و الجنين (vélocimétrie maternofoetale)، والسائل السلوي، لا تتأثر بصيام الشهر المعظم.

أما بالنسبة لزاهي[5]، الذي وجد نفس النتائج فإنه يؤكد ارتفاع ميلاد الأطفال بوزن منخفض بمعدل 1.5 عند صيام الأم خلال الفصل الأول من الحمل.

اهتمت دراسة أخرى بحاصل الذكاء[8] (QI) لدى الأطفال الذين قامت أمهاتهم بالصيام خلال الحمل. ووجدت أنه لا اختلاف بين الأطفال الذين صامت أمهاتهم أثناء الحمل و الذين لم تصم أمهاتهم.

وكانت بعض الدراسات قد وجدت انخفاضا للبروفيل الفيزيائي الحيوي للأجنة، أو تأثرا على المدى البعيد للأطفال الذين صامت أمهاتهم خلال الحمل. لكن هذه الدراسات اعترتها أخطاء منهجية من قبيل الخصوصيات العرقية و العادات الغذائية و الأمراض المرتبطة بالأم... الخ.[7،9]

بصفة عامة،نستطيع أن نستخلص أن المرأة الحامل التي تتبع تغذية سليمة متنوعة، تستطيع صيام شهر رمضان دون خوف على صحتها ولا على صحة جنينها، شريطة الخضوع لبعض الشروط.

عمليا، وقبل الشروع في صيام رمضان،يجب على كل امرأة حامل أن تراجع الطبيب. هذا الأخير ملزم بتقييم حالتها الصحية لرصد أي مَرَض قد يمسها أو يمس جنينها، مما يمنعها من الصيام. بعد تنحية جميع الأمراض، يسمح للمرأة بالصوم مع أخذ الاحتياطات والوجبات التالية:

الوجبة الأولى: الإفطار

- الأساس هو التمكن من تهدئة الإحساس بالجوع و بالعطش بسرعة.
- أخذ أطعمة سكرية من أجل تغذية الجسم و تعويض ما فقده خلال النهار.
- تعد التمور و المكسرات و المشروبات الساخنة ضرورية لتعويض سوائل الجسم.
- لا ينبغي أن تكون هذه الوجبة جد ثقيلة، لكونها متبوعة عن قرب بالوجبة الثانية: العشاء.

الوجبة الثانية: العشاء:

- يؤخذ ساعتين أو ثلاثا بعد وجبة الإفطار
- لا ينبغي أن يكون ثقيلا لأن الأطعمة المأخوذة خلاله ستوجه إلى التخزين و ليس للاستيعاب من طرف الجسم.
- من جهة أخرى، إذا كان العشاء ثقيلا، قد لا تشعر المرأة بالجوع عند الاستيقاظ من النوم و قد تفوت بذلك وجبة السحور، و هو خطأ يجب تفاديه بشكل خاص.
- سلطة مشكلة.
- بروتينات، كالدجاج أو اللحم أو السمك أو العدس أو الحمص أو الفاصولياء.
- كربوهدرات معقدة على شاكلة الأرز البني، أو المعجنات المصنوعة من القمح الكامل، أو خبز القمح الكامل.
- الكثير من الخضروات و من الماء.

الوجبة الثالثة: السحور

- إذا كانت هناك من وجبة غير قابلة للتفويت، فهي هاته الوجبة.
- إعداد مخزون يمكن المرأة من استمداد الطاقة التي تحتاجها خلال اليوم.
- كل شيء مسموح به: أجبان، لحوم، قطاني، سكريات سريعة، شوربات...
- و بالخصوص، يجب ترطيب الجسم بالماء الكافي لتكوين مخزون المياه،فالتزود بالماء أمر أساسي.

بالإضافة إلى الاحتياطات التي تهم الأكل، يجب على الحامل أن تتبع النصائح التالية:
- تخصيص وقت للقيلولة خلال اليوم.
- البقاء في الأماكن الباردة و تجنب الخروج من غير ضرورة.
- التقليل من النشاط البدني، خصوصا الأشغال المنزلية،وتجنب السهر إلى وقت متأخر.
- عدم إتمام الصوم أمام أي علامة من علامات التجفاف: عطش شديد، بول داكن و ذو رائحة أقوى من المعتاد، دوار، نوبات من العياء أو الإغماء، آلام الرأس، آلام منتشرة. فالمرأة الحامل يمكن أن تسقط أرضا إذا كانت واقفة، أو تفقد الوعي خلف مقود سيارتها.
- مراقبة وزنها و حركات الجنين: إذا نقصت حركة الجنين أو إذا فقدت المرأة وزنها أو توقفت عن اكتساب الوزن، أو في حال أحست بتقلصات، يجب عليها مراجعة الطبيب بصفة مستعجلة.

و ختاما يمكننا القول أن الصوم لا يشكل خطرا على صحة الأم والجنين على حد سواء في حال تم احترام الوجبات الموصوفة مع مراقبة طبية مستمرة.

المراجع :

  1. EbruDikensoy, OzcanBalat, BaharCebesoy, AyhanOzkur, HulyaCicek, Gunay Can: The effect of Ramadan fasting on maternal serum lipids, cortisol levels and fetal development. Archives of Gynecology and Obstetrics February 2009, Volume 279, Issue 2, pp 119-123.
  2. Kiziltan G, Karabudak E, Tuncay G, et al. Dietary intake and nutritional status of Turkish pregnant women during Ramadan. Saudi Med J 2005 Nov; 26(11) :1782-7.
  3. Jalila El Ati,ChirazBeji and Jabber Danguir: Increased fat oxidation during Ramadan fasting in healthy women: an adaptative mechanism for body-weight maintenance. Am J C/in Nutr1995;62:302-7.
  4. J H Cross and coll: Ramadan and birth weight at full term in Asian moslem pregnant women in Brimingham. Archives of Disease in Childhood 1990; 65: 1053-1056.
  5. VahidZiaee ad coll: the effect of Ramadan fasting on outcome of pregnancy. Iran J Pediatr, june 2010; vol 20(2), Pp181-186.
  6. MaryamMorad: The effect of Ramadan fasting on fetal growth and Doppler indices of pregnancy. J Res Med Sci. 2011 February; 16(2): 165–169.
  7. S H Alwassel and coll: changes in placental size during ramadan. Placenta 31(2010) 607-610.
  8. Azizi F, Sadeghipour H, Siahkolah B, Rezaei-Ghaleh N: Intellectual development of children born of mothers who fasted in Ramadan during pregnancy. Int J VitamNutr Res. 2004 Sep;74(5):374-80.
  9. Mirghani HM, Weerasinghe DS, Ezimokhai M, Smith JR: The effect of maternal fasting on the fetal biophysical profile.Int J GynaecolObstet 2003 Apr;81(1):17-21.


strategie 2015-2016

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
  • 6
  • 7
  • 8
  • 9
  • 10
  • 11
  • 12
  • 13
  • 14
  • 15
  • 16
  • 17
  • 18

الشركاء



الالتهاب الكبدي الفيروسي C
سوف تخضع لعملية تنظير القولون
مرض القولون العصبي

من معنا حالياً

2913 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

احصائيات

عدد الزوار:  
4
عدد الصفحات:  
598
روابط دليل المواقع:  
9
عدد الزيارات:  
2166886