الأستاذ محمد الإدريسي الأزمي
أستاذ علم المناعة كلية الطب و الصيدلة بفاس

الصوم عادة قديمة تعود لآلاف السنين و هو يمتد عند المسلمين خلال شهر رمضان من طلوع الشمس إلى غروبها و ذلك استشعارا بمعانات من يعيش الفقر و تقربا من الخالق عز وجل. أما الصوم لدى المسيحيين، أرثوذكس وكاثوليك، فهو "الكاريم" و ذلك إحياء لذكرى المسيح عيسى إبان عبوره الصحراء، حين امتد صيامه 40 يوما.

في حين يقتصر الصيام عند اليهود على سبعة أيام بهدف تقوية الروح و التطهر من الذنوب و تذكر المآسي (المحن).

أفضال الصيام على جسم الإنسان

الصيام في الواقع، تنقية عميقة و متواصلة من السموم، إذ خلاله يستنفذ الجسم مدخراته التي لم تستعمل قط و يتخلص مما خزن معها من سموم و دهون و أحماض و التي تعتبر أصلا لعدد من العلل.

يخلق الصوم إذن وضعية توتر و ينشط آليات التنظيم الذاتي  (autorégulation) مما يدفع بالجسم إلى التكيف مع البيئة الفقيرة من مواد القيت و يعزز قواه العلاجية.

إذا كانت فوائد الصيام على صحة الإنسان واضحة للعموم فإن تحديد آثاره المباشرة و بدقة خصوصا على مرض السرطان لازالت في انتظار تقييم مفصل.

 

هل الصيام سلاح جديد لمكافحة السرطان؟

يعتبر الصيام سلاحا لمكافحة السرطان، إذ تبين من خلال دراسة أجرتها مجموعة أمريكية، و نشرت نتائجها سنة 2012 في المجلة العالمية "Science Translational Medicine"، و التي مفادها أن إخضاع فئران المختبرات لفترات قصيرة من الصوم كان له نفس نجاعة العلاج الكيميائي في مكافحة بعض أنواع السرطان.

أوضح أصحاب هذه الدراسة بقيادة البروفيسور Valter Longo وهو أستاذ علم الأحياء بجامعة كاليفورنيا الجنوبية، أن الصوم بمفرده أمكن من علاج معظم السرطانات لدى الحيوانات المخبرية بما فيها تلك الناجمة عن خلايا بشرية و قد ركزت الدراسة على تأثير الصيام على الفئران الحاملة لسرطانات مفتعلة انطلاقا من خلايا بشرية، مستخلصة من سرطان الثدي و الجلد (mélanome) و الأعصاب (gliome) و المبيض إذ تم إخضاع الفئران لعدة دورات صيام، بحيث تم حرمانها من الغذاء لمدة 48 إلى 60 ساعة لكن مع استمرار مدها بالماء، فتبين أنه من أصل 8 أنواع سرطانية تمت مراقبتها لدى الفئران 5 أنواع تأثرت بالصيام بصفة مماثلة للعلاج الكيميائي.

أوضحت هذه الدراسة أن نمو بعض الخلايا السرطانية للثدي و الجلد والأعصاب قد تأخر بشكل ملحوظ بفضل دورتين من الصيام و بشكل يظاهي نجاعة العلاج الكيميائي. كما تبين أن تظافر الاثنين معا (الصيام + العلاج الكيميائي) كان أكثر فعالية عن العلاج الكيميائي لوحده.
إذ يزداد تأثير العلاج الكيميائي على الخلايا السرطانية مع زيادة دورات الصيام مما يؤدي إلى الرفع من أمد العيش العام لدى الفئران دون تطور للمرض.

فبالإضافة إلى أن الصيام يساعد في تنشيط الجينات المنظمة لنمو الخلايا العادية و السرطانية فإنه يساهم في خفض عدد الخلايا السرطانية و ذلك حسب الملاحظات المخبرية.

مصاحبة العلاج الكيمائي بالصيام يساهم في إحداث كسور في سلسلة الحمض النووي ADN للخلايا السرطانية و هو ما يعزز تأثير العلاج الكيميائي و يزيد من فعاليته. إن خفض كمية الأغذية المستهلكة يبطئ من نمو و انتشار السرطان إذ أوضح Pr Valter Longo  بقوله " في كل مرة يرفق العلاج الكيميائي بدورات صيام قصيرة يكون ناجعا أو أكثر نجاعة و فعالية مقارنة بالعلاج الكيميائي لوحده"، كما أكد أن التجربة السريرية لعدة سنوات وحدها الكفيلة بتوضيح إن كان لهذا العلاج تأثيرات مماثلة على الجنس البشري.

كما يؤكد البروفسور Pr. Valter Longo أن فريقه إزاء نشر نتائج بحث سريري "Randomisé" يتعلق ب 18 مريض يتابعون العلاج الكيميائي. كما أكد أن هنالك نفس الأبحاث تخص كل من جامعة Leyde بهولندا (13 مريضا) و جامعة برلين بالمانيا (50 مريضا) وخلص إلى القول بأنه إن كانت النتائج إيجابية لهذه الأبحاث فإن أبحاث أوسع و بعدد كبير من المرضى ضرورية خاصة في مجال السرطان.

ما قام به البروفسور Pr Valter Longo ولد موجة من الآراء حول العلاج بالصيام و كذلك تهافت العديد من المصحات عبر العالم للقيام باقتراح الصيام على مرضاهم قبل أو خلال العلاج الكيميائي.

من بين الآراء يمكن سرد:

الدكتور Michel Lallement و هو جراح أمراض السرطان الذي كان يقترح على مرضاه صيام يوم قبل بداية العلاج الكيميائي و يوم بعد اللهم باستثناء بعض الفواكه الجافة و أحيانا بيضة، و قد كان لذلك تأثير إيجابي على المرضى، حسب ما أكد ذات الجراح بقوله" في غالب الأحيان إن لم نقل دائما ، هنالك تحسن في تحمل العلاج (la tolérance) أي على الأقل لن تكون هنالك خسارة إن لم يكن هنالك ربح و ذلك على خلاف ما قد يعتقده البعض حول الصيام، أنه يضعف الصائم بل على العكس للمريض من احتياطي ما يكفيه ل 3 أيام. بل يتعافى المريض سريعا من أعراض العلاج الكيميائي بحيث لا تظهر عليه أية أعراض جانبية أو غثيان أو قيء أو إسهال".

في حين هنالك من يتحفظ على العلاج بالصيام و على ما قام بنشره فريق البروفسور Pr. Valter Longo، حيث يعتبر المختص في التغذية Dr.Jean Michel Lecerf بمدينة "Lille" أن الأبحاث تركز فقط على ميكانيزمات جد محدودة و معزولة. و لربما أن نتمكن يوما من ربط دورات انقسام الخلايا مع دورات الاكل و الصوم. و لكن لحد الساعة، لا يجب ان ننسى أن أكثر تهديد للمريض هو انعدام التغذية خلال الصيام ما قد يؤدي إلى ضعف مناعته و هو ما قد يجعله أكثر عرضة للمرض و للأعراض الجانبية للعلاج الكيميائي على حد سواء".

في مجمل القول، يبقى تجاذب الآراء بين من يرون في الصيام علاجا للسرطان و بعض الأخصائيين الذين َيَتَهيبون من ضعف الجهاز المناعي بسببه. و بذلك تبقى الدراسات السريرية ذات قيمة وازنة علميا ضرورية للحسم في هذا الموضوع.

و كل خطوة في هذا الصدد يلزم أن تكون بمشورة الطبيب المعالج لأن الصوم يبقى محظورا لدى فئة معينة من المرضى كالمصابين بداء السكري الأول و القصور الكلوي.

 

المراجع:

  1. Sci Transl Med. 2012 March 7; 4(124): 124
  2. Chimiothérapie : les bienfaits du jeûne court, Allodocteurs.fr 20/11/2013
  3. Sciences et Avenir, n° 820, Juin 2015
  4. PNAS, June 17, 2008 vol. 105  no. 24 8215–8220


strategie 2015-2016

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
  • 6
  • 7
  • 8
  • 9
  • 10
  • 11
  • 12
  • 13
  • 14
  • 15
  • 16
  • 17
  • 18

الشركاء



الالتهاب الكبدي الفيروسي C
سوف تخضع لعملية تنظير القولون
مرض القولون العصبي

من معنا حالياً

2915 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

احصائيات

عدد الزوار:  
4
عدد الصفحات:  
598
روابط دليل المواقع:  
9
عدد الزيارات:  
2166876