د. يوسف خبال، د. يحيى شراح
وحدة علوم الأدوية والتسمم. المختبر المركزي للتحليلات الطبية المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني، فاس. كلية الطب و الصيدلة جامعة الحسن الثاني الرباط.
عدد 3 - أكتوبر 2012

منذ مأساة التاليدوميد (talidomide) ووصف الدواء للنساء الحوامل يثير مخاوف كثيرة من قبل عامة الناس و كذلك من لدن العاملين في المجال الصحي، مع ذلك فإن وصف الأدوية أثناء الحمل يظل ضروريا في بعض الحالات المرضية [1]. إن الحمل وما يرافقه من تغيرات فيزيولوجية يؤثر بشكل كبير على حركية الأدوية (pharmacodynamie) مع العلم أن معظمها يمكنه عبور المشيمة (placenta)، باستثناء القلة القليلة كالأنسولين (insuline) و الهيبارين (héparine). فالطبيب الواصف للأدوية لدى المرأة الحامل أو المقبلة على الحمل ملزم بتقييم دقيق للفوائد المتوقعة من العلاج دون المساس بصحة الجنين قبل وصف الدواء.
هدفنا من خلال هذا المقال مساعدة الطبيب في عملية تقييم وصف الأدوية لدى المرأة الحامل.

1. التغيرات الفيزيولوجية و تأثيرها على خصائص حركية الدواء (Pharmacodynamie) :

إن التغيرات الفيزيولوجية تؤثر بشكل واضح على حركية الدواء داخل جسم المرأة الحامل، ففي ما يتعلق بمرحلة الامتصاص الهضمي (absorption digestive)، وهي أول مرحلة من المراحل الأربع لحركة الدواء داخل الجسم، خلال الحمل، يقل نشاط المعدة والأمعاء مما يسبب في زيادة فترة الإفراغ الهضمي (vidange digestive) بنسبة تترواح بين 30 إلى 50% مما ينتج عنه زيادة استقرار الدواء داخل الجسم وبالتالي ارتفاع التركيز الأقصى (Cmax).

من جهة أخرى، تعتبر مرحلة التوزيع (distribution)، وهي ثاني مرحلة من مراحل حركية الدواء داخل الجسم، الأكثر تأثيرا. ويرجع ذلك بالأساس إلى التغيرات الديناميكية للدم (changements hémodynamiques) كازدياد التدفق القلبي (débit cardiaque) وانخفاض الضغط الدموي (tension artérielle).

أما مرحلة التصفية (épuration) و هي آخر مرحلة،  حيث تلعب الكلي الدور المهم، فصبيب الدم لهذا العضو الحساس (débit rénal) يرتفع مع تقدم الحمل ليصل إلى ما بين 400 و 800 ملم في الدقيقة، و هذا يعني ارتفاع فرز الكلي للأدوية (مرحلة التخليص élimination).

2. المخاطر المرتبطة بفترة التعرض (exposition):

يستعمل مصطلح "التعرض (exposition)" للتعبير عن العلاقة الحقيقية بين الجنين والدواء الموصوف للأم الحامل. فترة التعرض للأدوية أمر بالغ الأهمية. وهنا يجب التمييز بشكل واضح بين فترة التعرض وفترة الوصف (durée de prescription) لأن تأثير الدواء قد يستمر مدة طويلة بعد انتهاء فترة تناوله. استمرار هذا التأثير يفسر بطول فترة التخليص وهو ما يعادل خمس مرات نصف عمر الدواء (demi-vie). حيث أنه وفي بعض الحالات يجب الرجوع ليس إلى بداية الحمل ولكن إلى فترة أخذ الدواء خصوصا الأدوية التي تتميز بنصف عمر طويل. [2،3]

يمكن توزيع الحمل إلى أربع فترات زمنية (التعرض للدواء في كل فترة يؤدي إلى مضاعفات مختلفة):

الفترة الأولى: من أول الحمل إلى اليوم 12 منه. تتميز بضعف التبادلات بين الجنين وأمه. ويبدو أن عواقب التعرض للدواء تكون ضئيلة، وهنا يمكن التحدث عن قانون الكل أو العدم (loi du tout ou rien) أي وفاة الجنين أو عدم و جود أي تأثير، و قد تم التأكد من هاته الفرضية من خلال التجارب التي أجريت على الحيوانات باستعمال المواد المشعة ولكن لم تثبت مع استعمال المواد الكيماوية.

الفترة الثانية : من اليوم 13 إلى اليوم 56 من الحمل. تتميز بالتكوين العضوي (organogénèse)، والذي يتم حسب جدول زمني محدد لكل عضو. خلال هاته الفترة، يمكن اعتبار أن التعرض للأدوية قد يؤدي لمخاطر كبيرة.

الفترة الثالثة : من اليوم 56 من الحمل إلى يوم الولادة. في هاته الفترة،  يكُون الجنين قد اكتمل تقريبا، وهي تشكِّل مرحلة النمو أو النضج. التعرض لبعض الأدوية قد يعيق نمو أو نضج بعض الأعضاء كالجهاز العصبي المركزي أو الأعضاء التناسلية أو الكلي، كما يمكن أن يتسبب في خلل مؤقت أو نهائي وظيفي أو سببا في تكوين السرطان على المدى البعيد.

إن اكتشاف بعض هذه الاضطرابات يصعب ربطه بسهولة بالتعرض للأدوية، لأن تطورها قد يكون بعيدا عن مرحلة الولادة إما ببضعة أشهر، كما هو الشأن بالنسبة للتطور السيكولوجي، أو عدة سنوات كما هو الشأن بالنسبة للتسرطن.

وأخيرا في حالة العلاج المزمن أو للفترات الطويلة حتى الولادة. فالأعراض قد تظهر بشكل فوري وواضح على حديثي الولادة، وقد تستمر هاته الأعراض والتي تشبه إلى حد ما أعراض الإدمان لمدة أسابيع. يجب الاستعداد لهاته الفترة بشكل جدي مع الأخذ بعين الاعتبار أن حركية الدواء لدى المولود الجديد تختلف كل الاختلاف عن  شكلها لدى البالغين.

3. المخاطر المرتبطة بنوعية الأدوية:

أولا: الأدوية الخالية من أي قدرة تشويهية (malformatif). وهي الأدوية التي أثبتت جميع الدارسات الوبائية والتي أقيمت بعد الاستعمال الواسع لها، أنها لا تتوفر على أي قدرة أو خطر للتشويه الجنيني. مثل : أموكسيلين (amoxicilline)، والباراسيتمول (paracétamol).

ثانيا: الأدوية المتميزة بقدرة تشويهية أكيدة (pouvoir malformatif certain). يشكل هذا النوع من الأدوية خطرا مرتفعا يفوق نسبة التشوه التلقائي (malformations spontanées)  وهي تخص بعض الأعضاء الجسدية المحددة. في هاته المجموعة يمكننا التمييز بين الأدوية شديدة القدرة التشويهية كمشتقات الريتنول (dérivés du rétinol)، أو التاليدوميد (talidomide). فنسبة التشويه لديها تفوق 20% وهي ممنوعة بشكل كلي لدى النساء الحوامل أو عند احتمال الحمل. والأدوية التي لا تتجاوز نسبة احتمال التشويه لديها 5%، على سبيل المثال كاربامازبين (carbamazipine)، حِمض الفالبرويك (acide valproique)، الليثيوم (lithium) ومضادات الفيتامبن K.



ثالثا: وهي المجموعة الأكثر عددا. المعلومات ضعيفة ومحدودة وتتعلق فقط بالقدرة التشويهية الضعيفة أو المعدومة لدى الحيوان [4-8]. يتعين عند وصف هاته الأدوية الأخذ بعين الاعتبار مرحلة الحمل ومدة التعرض ثم المرض الذي يجب علاجه، و مدى المنفعة و المضرة المرتقبتين [10-11].

4. كيف يمكن للطبيب الواصف اتخاذ القرار المناسب

تحديد المرحلة المعنية:

أ- قبل التعرض للأدوية أو قبل الحمل
- اختيار الأدوية الأكثر سلامة من خلال بياناتها التجريبية و السريرية.
- برمجة المراقبة الطبية للأم والجنين.

ب- بعد التعرض للأدوية أثناء الحمل
وهي الحالة الأكثر شيوعا وصعوبة، فتقييم المخاطر عند الجنين يجب أن يأخذ بالاعتبار :
- المعلومات المتاحة عن الدواء.
- رغبة الأبوين.
- إمكانية الكشف قبل الولادة.

ج- بعد الولادة
- هنا أثر التشخيص يضل رجعيا.
- محاولة ربط التشوه بالتعرض الدوائي.

5. خلاصة :

يمكن اعتبار الأيام الأولى من الحمل الأكثر خطورة بسبب تعرض الجنين للأدوية، لأن الحمل خلال هاته الفترة قد يكون مجهولا لدى المرأة أو الطبيب المعالج. فمن الحكمة إذن أن يتم اختيار الأدوية التي تتوفر على أكثر البيانات الواضحة فيما يخص سلامة الاستعمال وكذلك التاريخ الطويل للدواء. يمكن للطبيب المعالج في الحالات الصعبة  استشارة مراكز مراقبة الأدوية والتي تتوفر على كل المعلومات والكفاءات اللازمة (سواء المركز الوطني أو المراكز الجهوية).

مراجع:

1. Koren G, Pastuszak A, Ito S. Drugs in pregnancy. N Engl J Med 1998;338:1128-36.
2. Kaufman RH, Binder GL, Gray PM, Adam E. Upper genital tract changes associated with exposure in utero to diethylstilbestrol. Am J Obstet Gynecol 1977;128:51-8
3. Sabers A, Dam M, A-Rogvi-Hansen B, et al. Epilepsy and pregnancy: Lamotrigine as main drug. used. Acta Neurol Scand 2004;109:9-13.
4. Genton P, Semah F, Trinka E. Valproic acid in epilepsy. Pregnancy-related issues. Drug Saf.2006;29:1-21.10  - Edison RJ, Muenke M. Mechanistic and epidemiologic considerations in the evaluation of adverse birth outcomes following gestational exposure to statins.  Am J Med Genet A . 2004;131:287-98.
5. Ofori B, Rey E, Bérard A. Risk of congenital anomalies in pregnant users of statin drugs. Br J. Clin Pharmacol 2007;64:496-509.

 


strategie 2015-2016

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
  • 6
  • 7
  • 8
  • 9
  • 10
  • 11
  • 12
  • 13
  • 14
  • 15
  • 16
  • 17
  • 18

الشركاء



الالتهاب الكبدي الفيروسي C
سوف تخضع لعملية تنظير القولون
مرض القولون العصبي

من معنا حالياً

2921 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

احصائيات

عدد الزوار:  
4
عدد الصفحات:  
598
روابط دليل المواقع:  
9
عدد الزيارات:  
2166881