الدكتورة غزلان بن جلون* ، البردعي هند**
* أستاذة مساعدة،رئيسة مصلحة الطب النفسي للأطفال و المراهقين، مستشفى عبد الرحيم الهاروشي،المركز الإستشفائي الجامعي إبن رشد الدار البيضاء **أخصائية نفسية ، مصلحة الطب النفسي للأطفال والمراهقين، مستشفى عبد الرحيم الهاروشي،المركز الإستشفائي الجامعي إبن رشد الدار البيضاء

يعتبر الإكتئاب جزءا من الأمراض النفسية التي نلاقيها في حياتنا اليومية.فالإكتئاب يتمظهر بتغير حاد بالمزاج يتبعه في سلوكيات الفرد و يكون مصاحبا أيضا بأعراض جسدية،بينما تشكل الأزمة السوداوية الحد الأقصى للمرض.
و يمكن أن نتحدث عن الإكتئاب حينما يكون إكتئاب المزاج قد بلغ حدة كبيرة و مدة تتجاوز ستة أشهر، مما يؤدي إلى عواقب ظاهرة في الحياة العائلية و العملية و الدراسة، إلخ. أما المدة الزمنية فهي التي تحدد لنا نوع الإكتئاب: حاد (la dépression aigu)، مزمن (la dépression chronique)، رد فعلي (la dépression réactionnelle).

إن اضطرابات المزاج المصطلح عليها بالإكتئاب كانت ولا تزال مرتبطة بالراشدين والكبار، وذلك راجع لصعوبة إيجاد أعراض مشابهة (les symptômes analogues) لتلك التي عند الكبار. وقد أثبتت الأبحاث العلمية أن المرضى الكبار الذين يعانون من الإكتئاب يفترض أنهم أصيبوا بأعراض اكتئابية في طفولتهم.
وفي هذه المقالة سوف نتطرق إلى الإكتئاب عند الأطفال ما بين سن 5 إلى 12 سنة لأنها الفترة التي تزداد فيها نسبة المرض حسب الإحصائيات وهي أيضا فترة اكتساب اللغة و التمدرس ومن ثم الاندماج الاجتماعي وتجدر الإشارة على أنه يوجد كذلك أعراض عند الرضع والمراهقين.

 

المعطيات الوبائية:  les données épidémiologiques

إن تردد الإكتئاب بين شريحة الأطفال حسب الإحصائيات تصل إلى 2 أو 3% عامة، أما حسب إحصائيات الأطفال التي تتوارد على مصلحة الطب النفسي فهي تقدر بنسبة 20% تقريبا.

 

أعراض الإكتئاب عند الطفل: les symptômes dépressifs chez l’enfant

1. الحزن (tristesse): قد يبلغ في حدته الألم المعنوي (douleur morale)، قرف من الحياة l’ennui. يصبح الطفل سجين ألمه، هذا الألم يعاش كفشل يجعل الفرد يشك في قدراته وقيمته الذاتية.

2. حالة الانسحاب (retrait)، عدم الاهتمام (le désintérêt)، سلبية في التعامل (passivité). هذه الأعراض تكون غالبا مصاحبة بنبذ الآخرين والاعتزال، لكن نلاحظ أن الأطفال في نفس الوقت يسعون إلى البحث عن الحنان والعاطفة المطبوع أيضا بعدم الرضا الدائم عما يقدمه له الآخر.

3. غياب اللعب (absence de jeux): نلاحظ صعوبة استثمار الطفل الإكتئابي للألعاب التي كانت تشكل بالنسبة له في السابق المتعة واللذة.

4. الكبت (l’inhibition): تصاب الوظائف العامة: فالنمو يتقلص من حيث الكم ويضطرب في الكيف.اضطرابات الشهية وذلك بالقرف من الأكل إلى رفض الأكل بصفة نهائية نتحدث أنذاك عن فقدان الشهية الفكري (anorexie mentale) التي تصبح معادلة للانتحار الرمزي. الضعف يصيب الجانب النفس حركي (psychomoteur)، وهو شكل من أشكال الضعف في العمليات العقلية و الحركية فكل فعل فكري أو حركي يتطلب مجهودا كبيرا.فالطفل لا يريد الكلام والحراك وقد يصل إلى أوج هذا في حالة الجمود (état stuporeux) (المريض لا يتكلم ولا يتحرك). العمليات العقلية تصاب بدورها بالبطء،إذ الصلة بالآخرين تكون مصابة، تارة ما يكون الفرد منعزلا فيصعب عليه الاتصال بالآخرين وتارة ما يتواصل لكن فقط من زاوية المحتويات السلبية، فيُبرِز حزنه وألمه المعنوي وقلقه بأزمات بكاء وهيجان، صعوبة التركيز، واليقظة، وكذا تسجيل الذاكرة، الشيء الذي يفضي إلى صعوبة الدراسة والتمدرس وفي أغلب الأحيان الرسوب.

و كحصيلة اجتماعية لرسوب الطفل يتعذر على هذا الأخير احترام ذاته و قدراته أمام نفسه، و كذا أقرانه (يشك في ذاته). و بالتالي يدخل في دوامة (احتقار) النفس (sous-estime de soi) ثم احتقار الآخرين و تنامي الحالة الإكتئابية.

5. اضطرابات السلوك (les troubles du comportement): من الأعراض الظاهرة على صعيد الملاحظة السريرية، هو تشكل حالة من عدم الاستقرار النفس حركي (instabilité psychomotrice)، وحالة من الهيجان و العصبية تتمظهر من خلال عدوانية ذاتية(auto-agressivité) أو نحو الآخرين (hétéro-agressivité). حالة الهيجان قد تكون مصاحبة بنوع من الانفعال الهَيَجاني (excitation d’allure euphorique)، الكلام الكثير (logorrhée)، مما يذكر بحالات الهوس.

6. النزعة الانتحارية: و هي عبارة عن حوادث و جروح، لا يمكن أن نجد لها تفسيرا منطقيا:سقوط متكرر،حوادث متعددة، كسور في أعضاء من الجسم،جروح عميقة أو التعرض لمواقف مؤذية.هذه السلوكات الخطيرة، و التعرض الدائم للخطر ما هو إلا رد فعل لا واعي عن رفض الطفل للحياة و البحث عن الانتحار الرمزي للتخلص من آلامه.

7. حالة الإكتئاب الصريح: يلاحظ إحساس و قناعة بتحقير الذات (autodépréciation)، عدم القدرة أو العدمية (l’impuissance)،  مع لوم النفس وتحميلها المسؤولية على كل شيء (culpabilité et l’autoaccusation).

8. الأعراض الجسدية (les troubles somatiques): غالبا ما تكون مصاحبة للاكتئاب و أحيانا تحجب التشخيص المباشر للمرض، مثل الأرق (insomnie)، إفراط الأكل المرضي (boulimie)، التبول اللاإرادي الليلي (énurésie)، التبرز (encoprésie)، الحساسية (allergie)، ضيق التنفس شبه ربوي (pseudo-asthmatique)، الخ.  

 

تقييم الحالة الإكتئابية حسب الدينامية العامة لتطورالطفل:

أثناء مرحلة نمو الطفل قد يحدث أن يمر بمرحلة اكتئابية صغيرة ومحددة، يعاني أثناءها من حالة من الملل، الحزن، القلق، العصبية، و اضطراب النوم.هذه الأعراض تكون اعتيادية في السن ما بين 4 و 5 سنوات أو فترة المرور إلى سن المراهقة.
في هذه المرحلة من التطور يكون الطفل قد اكتسب ما أمكن من الأمان الداخلي والقدرة على حل مشاكله، بل قد تشكل أيضا تجربة إيجابية بالنسبة له تساعده، في المستقبل على خلق حالة الارتياح لمواجهة الصعوبات.الإكتئاب الرد فعلي يتمظهر بالأعراض التي سبق ذكرها مع إقرانها بحالة القلق.التشخيص يقوم على غياب اضطرابات الشخصية، وكذا وجود حدث خارجي، كحالة فراق الأم، رسوب مدرسي، وفاة قريب، الخ.
حالات من الإكتئاب المرتبطة بالاضطراب في الشخصية:

1. الشخصية ذات هشاشة نرجسية (égocentrique): تقترب أعراضها من الأعراض السالف ذكرها و لكن نلاحظ أن اللوحة السريرية يغلب عليها:لوم الذات(la culpabilité) .نقص في تقدير الذات (perte de l’estime de soi) .هذه الحالة غالبا ما يسهل علاجها من خلال جلسات العلاج النفسي.

2. حالات الحرمان العاطفي و الإكتئاب: هذه الحالات معروفة ببحث مستمر و ملح على الوجدان و العاطفة بشكل غير متزن، تبدأ برغبة و خوف من دخول علاقة ثنائية، و بعد ذلك يعيش الفرد حالة قلق مزمن و توثر خوفا من فقدان موضوع الارتباط.وبالتالي يصبح سلوكه مازوشيا (masochiste)، سلبيا، يهدف من خلاله تدمير نفسه.

3. حالات اضطرابات المزاج و الإكتئاب: لا ترتبط بسبب خارجي، أو فقدان موضوع الارتباط.تكون غالبا مرتبطة بمنحى اضطراب المزاج (dysthymie) المقترن بالأمراض العقلية مثل الهوس الذي يصاحبه هيجان المزاج المُهَيج (excitation d’allure enphorique)، كثرة الكلام (logorrhée).

 

العوامل الرئيسية التي تشكل خطر الإصابة بالإكتئاب:

العوامل الجينية: أثبتت الأبحاث العلمية أن الجينات لها دورها في الإصابة بالمرض عند الطفل.

1. الإصابة الجسدية (les atteintes somatiques) : الإصابة الجسدية المتكررة والأمراض المزمنة أو الإقامة بالمستشفى للعلاج لمدة طويلة، قد تكون مؤشرا في إحداث أزمة اكتئابية.

2. العوامل المرتبطة بالمحيط: تجربة الفراق المبكر والمتكرر في المرحلة الأولية للطفولة مع الأم، أو وفاة الوالدين، تؤدي إلى نمو الإحساس بالحرمان العاطفي لدى الطفل.كذلك وضع الطفل في مركز صحي، أو مراكز الرعاية من دون وجود دعم نفسي من العوامل التي تتكرر دائما في حياة الأطفال الإكتئابيين.لقد أثبتت الأبحاث الجينية أن الآباء المصابين بالإكتئاب قد يورثون المرض لأطفالهم.أما من ناحية علم النفس المرضي فإن الإصابة بداء الإكتئاب قد تكون ناتجة عن اكتئاب الأم بعد الولادة أو الفترة الموالية الشيء الذي يؤدي إلى غياب رمزي لهذه الأخيرة.الطفل لا يستطيع أن يواجه ثقته بنفسه تجاه أمه، بل يكبتها مخافة أن يزيد من معاناتها و بالتالي فهو يتماهى معها (s’identifier)، و يتبنى عدوانية ذاتية (auto agressivité).

3. الانتظارات العائلية: إن الآباء غالبا ما يرون في أبنائهم أحلامهم التي لم يحققوها، و ينتظرون من الطفل أن يكون القدوة و يحقق ما لم يستطيعوا هم فعله، هذه الانتظارات تعرض الطفل للكثير من الصعوبات ليحققها، و أحيانا لا يستطيع إشباعها، مما يجعله عرضة للاكتئاب.وأخيرا بعض مواقف الحياة قد يكون لها معنى مؤلم، ومؤثر على الطفل مثل: طلاق الأبوين، تغيير مكان السكن، موت أحد الأقارب، سوء معاملة الطفل بالضرب أو السب من طرف المعلمين أو الآباء، التعرض للتحرش أو الاغتصاب الجنسي، إلخ.

 

التطور المرضي لاضطراب الإكتئاب:

في أغلب الأحيان يكون تطور المرض إيجابيا و ذا مؤشرات مبشرة بشفاء تام و خصوصا إذا كان مقرونا بجلسات علاجية ملائمة و في الوقت المناسب، و من الممكن حصول انتكاسات في بعض الحالات و غالبا ما تتمركز في مرحلة الدخول إلى المراهقة.ويصعب في الواقع تحديد تطور المرض عند الطفل إلى مرحلة البلوغ، وذلك مقرون بعدة عوامل:مدة العلاج الذي خضع له الطفل.المساندة و الدعم المقدم من طرف المحيط و المعالجين،قدرة الآباء على التنبئ باضطرابات المزاج و اكتشاف الإكتئاب لدى أطفالهم وتركيبة الشخصية المحددة لتطور المرض.

و أخيرا تجدر الإشارة إلى أن المرور بحالة الإكتئاب في مرحلة الطفولة قد يحدث هشاشة بالشخص مما يؤدي إلى ارتدادها في مرحلة البلوغ.لكنه ليس بالأمر الأكيد أن الأشخاص البالغين اللذين يعانون من الإكتئاب هم بالضرورة أطفال اكتئابيون.ليس هناك إلى حد الساعة دراسات أكيدة في الموضوع ويجدر التعامل مع كل حالة على حدة.

 

علامات الكشف على الإكتئاب عند الطفل:

الحزن الشديد و القلق، تقلب المزاج و العصبية الزائدة، غياب اللعب، الجمود نفس حركي، أفكار لها علاقة بالموت، التعرض لحوادث متكررة، صعوبة التركيز، أو نتائج مدرسية متدهورة، سلوكات عدوانية ضد الآخرين أو أحيانا موجهة نحو الذات (طفل يضرب رأسه بالحائط)، تواتر النكسات الصحية، أو الأمراض الجسدية المتكررة و/أو المزمنة.

 

علاج الإكتئاب عند الأطفال:

1. الإجراءات التي يتعين اتخاذها: من المهم عند الآباء والمتخصصين الفصل بين حالات الإكتئاب عند الطفل وحالات الإكتئاب عند البالغ، لأن اللوحة السريرية في كلتا الحالتين لا تتشابه.

2. الحماية: إن اتخاذ الإجراءات الوقائية خير من الوصول إلى المرض وذلك من خلال تربية الآباء على تفادي الأسباب التي قد تؤدي بالطفل إلى تجربة الحرمان والنقص العاطفي:
- توجيه وإعلام الآباء في حالة وقوع مواقف فراق في الأيام أو السنوات الأولى للطفل.
- تفادي البعاد أو التفريق المتكرر ومن دون إعلام الرضيع أو الطفل في السنوات الأولى.
- تشكيل دورات التكوين والتدريب المستمر لطاقم العاملين في كل الميادين التي تمس الطفل، (أطباء، ممرضون، مربون، معلمون، إلخ).

3.التدخل الطبي: استشارة الطبيب النفساني للطفل: هي أول عملية يجب القيام بها، وذلك لتقييم الحالة وتحديد نوع العلاج المتخصص، لأن كل حالة تعتبر منفردة.
تحديد مدة إقامة الطفل في المستشفى وذلك إذا ما اقتضت الضرورة، مثل صعوبة الحالة، أو في حالة ما إذا كانت الأسرة مقصرة في لعب دورها الأساسي من ناحية الدعم النفسي و التواجد.

4. العلاج بالأدوية: تعتبر من المراحل الأكثر حساسية في العلاج، حيث يجمع جل الأطباء على ضرورة تفادي العقاقير ما أمكن إلا في الحالة الصعبة أو عند المراهقين:
- فقدان الشهية والهزال الذي قد يؤدي إلى الموت.
- الأرق المزمن، وفقدان النوم لمدة طويلة.
- سلوكات عدوانية تهدد حياة الطفل.

5. العلاج بالجلسات الفردية: الجلسات الفردية تتشكل من مقاربات كثيرة و متعددة، تختلف باختلاف المدارس العلمية كالتحليل النفسي (la psychanalyse)، و المقاربة المعرفية السلوكـــية (approche cognitivo-comportementale). دورها الأساسي هو إيصال الطفل إلى قبول تجارب الفراق والفشل التي عايشها في مراحل حياته وكذا تقبل صورته الداخلية و بناء تصور إيجابي لقدراته و تدعيم الثقة بالنفس وأخيرا التخفيف من وطأة الأنا الأعلى، و وقعها على الأنا عند الطفل.

6. التدخل في العوامل المحيطية: وهي عبارة عن التدخل المتواصل والهادف إلى خلق الإجراءات البديلة التي تمس المؤسسات الاجتماعية أو الخاصة، مثل ملجأ الأيتام، أو دور الولادة، وكذا وضع الحضانة و الكفالة.

7. التدخل الطبي النفسي عند العائلة: إرشاد الآباء إلى جلسات علاجية متخصصة في حالة السجال أو الطلاق أو في حالة وجود إصابة نفسية عند أحد الآباء.
وضع استشارة متخصصة نفسانية في دور الولادة وذلك للكشف عن حالات اكتئاب الولادة عند الأم، أو حالات الذهان psychose المباشر بعد الولادة.

 

خاتمة:

و ختاما لموضوعنا،فإننا نود أن نثير انتباه كل الشرائح العاملة في قطاع الصحة التي تتعامل مع الطفل، أو الآباء، إلى أن فئة الرضع و الأطفال من سن صفر إلى 12 سنة ليست فئة سلبية لا تفهم شيئا سوى التعامل معها بالأوامر بل ذات يجدر الإنصات و الاستماع إليها،ومن المحبذ إقحامها في النقاش و كذا في اتخاذ القرار.

 

المراجع:
1. CIM-10, Classification Statistique Internationale des Maladies et des problèmes de santé connexes, 10eme révisé, chapitre V, troubles mentaux et du comportement.
2. DSM-IV, Manuel Diagnostic des troubles mentaux, El révisé, Masson, Paris.
3. R. misés, N. quamada, M. Botbol, B. durant, « nouvelle édition de la classification française des troubles mentaux de l’enfant et de l’adolescent », (CFTMEA).
4. Sergot Lebovici, René diatkui, Michel soulé, « nouveau traité de psychiatrie de l’enfant et de l’adolescent », 1er édition, 1985, quachoge/ presses universitaires de France, p 1413-1859.


strategie 2015-2016

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
  • 6
  • 7
  • 8
  • 9
  • 10
  • 11
  • 12
  • 13
  • 14
  • 15
  • 16
  • 17
  • 18

الشركاء



الالتهاب الكبدي الفيروسي C
سوف تخضع لعملية تنظير القولون
مرض القولون العصبي

من معنا حالياً

3423 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

احصائيات

عدد الزوار:  
4
عدد الصفحات:  
598
روابط دليل المواقع:  
9
عدد الزيارات:  
2168688